![]() |
![]() |
|
|
|
|
القائمة الرئيسية
إبحث بالموقع
|
مس المصحف للمحدث
مس المصحف للمحدث الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد : فقد اختلف العلماء في حكم مس المصحف للمحدث حدثاً أصغر , فذهب جمهور العلماء إلى أنه يحرم مس المصحف على المحدث حدثاً أصغر أو أكبر دليلهم : قوله تعالى : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) {الواقعة:77-80} . وهو خبر بمعنى النهي . وقد وصفه بالتنزيل وهذا ظاهر في المصحف الذي عندنا . و ما روى عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم , عن أبيه , عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم : كتب إلى أهل اليمن كتاباً , وكان فيه : (( لا يمس القرآن إلا طاهر )) رواه الأثرم والنسائي والدار قطني متصلاً , قال الأثرم : واحتج به أحمد , ورواه مالك مرسلاً , أخرجه الدارمي . وحديث ابن عمر : (( ولا يمس المصحف إلا على طهارة )) أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني . وما روى الدارقطني في قصة إسلام عُمَرَ أن أخته قالت له قبل أن يُسلم : إنه رِجْسٌ ولا يَمَسه إلا المطهرون. وقال الحافظ : وفي إسناده مقال , وفيه عن سلمان موقوفاً أخرجه الدارقطني والحاكم . وعن الحكم بن حماد وداود : يجوز مسه وحمله للمحدث حدثاً أصغر وذهب إليه ابنُ عباس والشعبي والضحاك , ومال إليه الصنعاني والشوكاني واختاره الألباني . دليلهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه آيةً إلى هرقل .وهرقل محدث يَمَسه وأصحابُه , ولأن الصبيان يحملون الألواح محدثين بلا إنكارٍ , ولأنه إذا لم تحرم القراءة فالمس أولى . وروي عن الحكم وحماد جواز مسه بظهر الكف دون بطنه . دليلهم : أن آلة المس باطنُ اليد فينصرف النهي إليه دونَ غيره . قال أهل القول الأول : فإن قالوا : المراد اللوح المحفوظ لا يمسُّه إلا الملائكة المطهرون ولهذا قال : يَمَسُّه بضم السين على الخبر , ولو كان المصحف , لقال يمسِّه بفتح السين على النهي , فالجواب أن قوله تعالى : (تنزيل ) ظاهر في إرادة المصحف , فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح , وأما رفُع السين , فهو بلفظ الخبر , كقوله تعالى : (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) {البقرة:233} على قراءة من رفع . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يبيعُ أحدكم على بيع أخيه )أخرجه البخاري (2139) بإثبات الياء , ونظائره كثيرة مشهورة وهو معروف في العربية . فإن قالوا : المطهرون : الملائكة , لأن المطهر من طهر غيره , ولو أريد بنو آدم لقيل المتطهرون . فالجواب : أنه يقال في المتوضئ مطَّهِر ومتطهر . و أجاب بعضهم بأن المراد هم , وبنو آدم قياساً عليهم . والجواب عن قصة هرقل أن ذلك الكتاب كان فيه آية ولا يُسمى مصحفاً ولا تثبت له حرمه , وقصد بالآية المراسلة , والآية في الرسالة أو كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسّه . وأبيح حملُ الصبيان الألواح للضرورة , وأبيحت القراءة للحاجة وعُسر الوضوء لها كل وقت . وقولهم : إن المسَّ إنما يختص بباطن اليدِ , ليس بصحيح , فإن كل شيء لاقى شيئاً فقد مسه .انظر (المغني )1/203,202 و( كشاف القناع ) 1/152 و( المجموع شرح المهذب) 2/74 , 75 , و(نيل الأوطار ) 1 / 243 , 245 , و ( مجموع الفتاوى) 21/270 , 288 , و(سبل السلام )1/ 132 . الترجيح : قلت : والراجح القول الثاني , وهو جوازُ مس المصحف للمحدث حدثاً أصغر وذلك لأمرين : الأول : ما ذكره العلامة الشوكاني في شرح حديث عمرو بن حزم بقوله : ولكن الطاهر يطلق بالاشتراك على المؤمن , والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر , ومن ليس على بدنه نجاسة ,ويدل لإطلاقه على الأول قول الله تعالى :( إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ) ]التوبة : 28[ وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة :" المؤمن لاينجس " أخرجه البخاري(285) في الغسل باب الجُنب ,ومسلم (371) . وعلى الثاني : (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)]المائدة : 6[ . وعلى الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين : ( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ) رواه البخاري ومسلم . وعلى الرابع : الإجماع على أن الشيء الذي ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمى طاهراً , وقد ورد إطلاق ذلك في كثير , فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه حمله عليها هنا , والمسألة مدونة ٌ في الأصول وفيها مذاهب. والذي يترجح أن المشترك مُجْمَلٌ فيها , فلا يعمل به حتى يبين , وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يَمَسَّ المصحفَ , وخالفَ في ذلك داود . استدل المانعون للجنب بقوله تعالى : (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ) {الواقعة:79}.وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعاً إلى القُرآن , والظاهر رجوعه إلى الكتاب وهو اللوح المحفوظ , لأنه الأقربُ , والمطهرون : الملائكةُ , ولو سلم عدم الظهور فلا أقل من الاحتمال , فيمتنع العمل بأحد الأمرين , ويتوجه الرجوع إلى البراءة الأصلية , ولو سلم رجوعه إلى القرآن على التعيين , لكانت دلالته على المطلوب وهو منع الجنب من مسه غير مسلمة , لأن المطهر من ليس بنجس , والمؤمن ليس بنجسٍ دائماً لحديث :" المؤمن لا ينجس "وهو متفق عليه , فلا يصح حمل المطهر على من ليس بمشرك , كما في قوله تعالى :( إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ) لهذا الحديث , ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو , ولو سلم صدقُ اسم الطاهر على من ليس بمُحْدِثٍ حدثاً أكبر أو أصغر , فقد عرفت أن الراجح َ كونُ المشترك مجملاً في معاينه , فلا يعين حتى يـبـين . وقد دل الدليلُ هاهنا أن المراد به غيرُه لحديث: " المؤمن لا ينجس " ولو سلم عدمُ وجود دليل يمنعُ من إرادته ,لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحاً بلا مُرجح وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشرك في جميع معانيه وفيه الخلاف , ولو سلم رجحانُ القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه , لما صح لوجود المانع وهو حديثُ :" المؤمن لا ينجس ". واستدلوا أيضاً بحديث الباب. وأجيب بأنه غير صالح للاحتجاج, لأنه من صحيفة غير مسموعة وفي رجال إسناده خلاف شديد , ولو سلم صلاحيته للاحتجاج , لعاد البحثُ السابق في لفظ طاهر وقد عرفته . قال السيدُ العلامةُ محمد بن إبراهيم الوزير : إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض , أو الحدث الأصغر , لا يصح لا حقيقة ولا مجازاً ولا لغة , صرح بذلك في جواب سؤال وَرَدَ عليه , فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائماً, فلا يتناوله الحديثُ , سواء كان جنباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة . فإن قلتَ : إذا تم ما تريدُ من حمل الطاهر على مَنْ ليس بمشرك , فما جوابك فيما ثبت في المتفق عليه من حديث ابن عباس : أنه صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلى هِرقل عظيم الروم : أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و (يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) {آل عمران:64} مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب , ووقوع اللمس منهم له معلوم .قلت : أجعله خاصاً بمثل الآية والآيتين , فإنه يجوز تمكين المشرك من مس ذلك المقدار لمصلحة كدعائه إلى الإسلام . ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه قد صار باختلاطه بغير لا يحرم لَمْسُهُ ككتب التفسير , فلا تخصص به الآية والحديث . إذا تقرر لك هذا , عَرَفْتَ عدم انتهاض الدليل على منع من عدا المشرك ا.هـ نيل الأوطار 1/243-245. وقال الصنعاني : ولكنه يبقى النظر في المراد من الطاهر , فإنه لفظ مشترك يُطلق على الطاهر , وعلى من ليس على بدنه نجاسة , ولا بد لحمله على معين من قرينة ا.هـ سبل السلام 1/132 . قلت : والأمر الثاني : أنه لم يثبت – فيما أعلمُ – أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى المحدث عن مس المصحف إلا ما جاء في حديث عمرو بن حزم ؛ وليس صريحاً في ذلك ,وهو كتاب كتبه له لما بعثه إلى أهل نجران وهم قوم كفار فدلت القرينة على أن المراد بالطاهر هنا المسلم , لأنه لو أراد به المحدث ,لبينه لأهل المدينة ,فهم أحوج لهذا البيان , لكثرة القرآن المكتوب فيها . ولم أجد أحداً من أهل العلم ذكر هذا التعليل ولكني رأيته صالحاً في هذا المقام , والله أعلم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أملاه الفقير إلي ربه المنان عبدالمحسن بن ناصر العبيكان · من المسائل المنقولة من كتاب : ( غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام ) لمعالي الشيخ عبدالمحسن العبيكان .
|
إعلان
أحصائيات الموقع
القائمة البريدية
المتواجدون الآن
|
|||||||||||||||||||||||||||